بنوك الهند تجمّد واردات الذهب والفضة.. شحنات بالمليارات عالقة في الجمارك
أوقفت بنوك هندية طلبات جديدة لاستيراد الذهب والفضة من الخارج، في وقت تتكدس فيه كميات كبيرة من المعدنين داخل الجمارك، بسبب تأخر صدور قرار حكومي رسمي ينظم استيراد السبائك خلال العام المالي الجديد.
ويأتي هذا التطور في سوق شديدة الحساسية، إذ تعد الهند ثاني أكبر مستهلك للذهب في العالم، كما أنها أكبر مشترٍ للفضة عالميًا، وتعتمد بشكل شبه كامل على الواردات لتغطية الطلب المحلي، سواء من قطاع المشغولات الذهبية أو المستثمرين أو الأفراد.
وبحسب ما نقلته مصادر من القطاع، فإن حالة الترقب وعدم وضوح الإجراءات دفعت البنوك إلى وقف أي طلبات استيراد جديدة، لحين صدور توجيهات رسمية تسمح بتخليص الشحنات الحالية واستئناف العمل بصورة طبيعية.
شحنات الذهب والفضة تتكدس في الجمارك
تشير البيانات المتداولة في السوق إلى أن أكثر من 5 أطنان من الذهب ونحو 8 أطنان من الفضة أصبحت عالقة داخل الجمارك، من دون تصاريح تخليص، نتيجة غياب القرار الجديد من الجهات المختصة.
ويمثل هذا التعطل ضغوطًا إضافية على سلاسل الإمداد، خاصة أن المستوردين والبنوك لم يعودوا قادرين على إدخال شحنات جديدة أو حتى الإفراج عن الشحنات القائمة، وهو ما يرفع احتمالات اضطراب السوق خلال الفترة المقبلة.
وتصدر المديرية العامة للتجارة الخارجية التابعة لوزارة التجارة والصناعة في الهند، بشكل معتاد، قرارًا سنويًا يحدد البنوك المعتمدة من قبل البنك الاحتياطي الهندي لاستيراد الذهب والفضة. وكان القرار السابق، الصادر في أبريل 2025، ساريًا حتى نهاية السنة المالية في 31 مارس 2026، لكن القرار الجديد لم يصدر بعد، ما خلق فراغًا تنظيميًا أربك السوق.
مخاوف من نقص المعروض وارتفاع الأسعار
يثير استمرار تعليق الواردات قلقًا متزايدًا داخل سوق المعادن الثمينة في الهند، خاصة مع اقتراب موسم “أكشايا تريتيا”، وهو أحد أهم مواسم شراء الذهب في البلاد، ويشهد عادة ارتفاعًا قويًا في الطلب من الأسر والتجار.
وفي حال استمر تأخر القرار الحكومي، فقد تجد السوق نفسها أمام نقص واضح في المعروض، ما قد يدفع الأسعار المحلية للصعود، حتى لو لم ترتفع الأسعار العالمية بالوتيرة نفسها.
وتخشى شركات وتجار السبائك من أن يؤدي هذا التعطل إلى زيادة الفجوة بين الطلب الفعلي والكميات المتاحة، وهو ما قد ينعكس أيضًا على نشاط المصانع ومحال المجوهرات، خصوصًا في موسم الشراء المرتبط بالمناسبات والعادات الاجتماعية.
لماذا قد تتعمد الحكومة الإبطاء؟
يرى متعاملون في السوق أن التأخير قد لا يكون إداريًا فقط، بل ربما يرتبط بمحاولة حكومية للحد من فاتورة الاستيراد، خاصة في ظل الضغوط الواقعة على الميزان التجاري الهندي.
فالهند تواجه بالفعل تكلفة أعلى للواردات مع صعود أسعار النفط والغاز والأسمدة، وسط توترات جيوسياسية إقليمية رفعت كلفة الطاقة والمواد الخام. وفي هذا السياق، قد يكون إبطاء واردات الذهب والفضة وسيلة غير مباشرة لتخفيف الضغط على النقد الأجنبي وتقليص العجز التجاري.
كما أن الحد من واردات المعادن النفيسة يمنح الروبية الهندية بعض الدعم، إذ يقلل الطلب على الدولار المستخدم في تمويل هذه الواردات. وكانت السلطات قد اتخذت بالفعل خطوات أخرى للحد من الضغوط على العملة، من بينها مطالبة بعض المصافي بخفض مشترياتها الفورية من الدولار.
تأثير محتمل على الأسواق العالمية
رغم أن الأزمة تبدو محلية في ظاهرها، فإن تأثيرها قد يمتد إلى الأسواق العالمية، نظرًا للوزن الكبير للهند في تجارة الذهب والفضة.
فأي تراجع مستمر في الطلب الهندي قد يشكل عامل ضغط على الأسعار العالمية، أو على الأقل يحد من وتيرة صعودها، خاصة إذا تزامن مع تباطؤ في طلب أسواق أخرى. وفي المقابل، فإن نقص الإمدادات داخل السوق الهندية قد يدفع الأسعار المحلية إلى التحرك في اتجاه مختلف عن الأسعار العالمية.
بمعنى آخر، قد نشهد حالة من التباين بين السوق الدولية والسوق الهندية، حيث تبقى الأسعار العالمية تحت ضغط ضعف الطلب، بينما ترتفع الأسعار محليًا نتيجة نقص المعروض.
الطلب على الذهب في الهند يتراجع بالفعل
تأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه بيانات مجلس الذهب العالمي إلى تراجع الطلب على الذهب في الهند خلال عام 2025 إلى 710.9 طن، وهو أدنى مستوى خلال خمس سنوات.
ويعكس هذا التراجع مزيجًا من العوامل، بينها ارتفاع الأسعار، وتغير سلوك المستهلكين، والضغوط الاقتصادية، إلا أن أي تعطل إضافي في الواردات قد يعمّق اضطراب السوق بدلًا من تهدئته.
فحتى مع تباطؤ الطلب، تظل الهند من أكبر الأسواق المستهلكة للمعدن النفيس عالميًا، وأي خلل في تدفق الواردات يظل ذا تأثير مباشر على السوق المحلية، وربما على حركة التجارة العالمية أيضًا.
ماذا يعني ذلك؟
ما يحدث في الهند ليس مجرد تأخير إداري في إصدار تصريح استيراد، بل أزمة قد تكشف حساسية سوق الذهب والفضة أمام القرارات التنظيمية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الواردات.
ومع اقتراب موسم شراء رئيسي، فإن استمرار تجميد الواردات قد يقود إلى ثلاثة سيناريوهات متوازية:
نقص في المعروض داخل السوق المحلية
ارتفاع الأسعار في الهند
تراجع نسبي في الطلب العالمي على المعدنين إذا طال أمد الأزمة
وفي جميع الأحوال، سيبقى قرار الحكومة الهندية المنتظر هو العامل الحاسم في تحديد اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة.




